الاعتقال، التشريد، ثم الفقد الأصعب: فراق ابني
ح. أ، أم عازبة من أمدرمان
أنا “ح. أ” أم عازبة من أمدرمان . استيقظت صبيحة اندلاع الحرب في منزلي على أصوات أمي وخالي يتحدثون عن اندلاع الحرب، في تلك اللحظة تراءى لي ولدي، أمي، أبي، أخي، أصدقائي وأهلي، سيطر على تفكيري كيف يمكن أن أحمي ولدي وأهلي مما يحدث. نسكن بأحد أحياء أمدرمان، كانت منطقتنا تحت سيطرة القوات المسلحة حينما بدأت تسيطر قوات الدعم السريع على مناطق في العاصمة وما حولها، كنا نسمع أصوات المدافع وكل أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة وكان الرعب والخوف من المجهول هو سيد الموقف، وسط هذا كان الروتين الوحيد الذي واصلت عمله كل يوم هو الاطمئنان على ولدي ومحاولة تطمينه وإحاطته بالأمان.
بحكم أني كنت جزءا من لجان مقاومة المنطقة فقد قمنا بتهيئة وافتتاح المركز الصحي بالحي حيث يعنى بعلاج الأصابات وتوفير الأدوية المنقذة للحياة، كنا نبحث عن الأدوية وننسق وصولها للمركز. رؤية الجرحى يومياً أدخلتني في دوامة من الإحساس بالعجز والقهر، ألم في الصدر وطعنات شديدة في القلب، قلق، صداع وأرق.
تم الإبلاغ عنا للاستخبارات العسكرية بواسطة بعض أبناء الوطن الغير وطنيين من منتسبي الحركة الإسلامية مدعين أننا نعمل لصالح الدعم السريع وأننا متعاونون معهم، تم اعتقالنا وتجريمنا وفتح بلاغات كيدية ضدنا، تم التحقيق معي مرات عديدة، ووجهت ضدنا تهم مختلفة منها تهديد أمن الدولة.
في المعتقل سيطر على تفكيري الخوف من المجهول وأننا في حرب، وأنني قد أموت في أي لحظة، لكن بعد محاولات توسط عديدة تم الإفراج عنا.
كنت محظوظة بأسرتي الداعمة، فبعد خروجي من المعتقل وافقت أن أترك السودان بعد إصرار والدي أن حياتي قد أصبحت مهددة، وأن أبدأ حياتي العملية في أي دولة توفر فرصاً أفضل بحياة كريمة لي ولأسرتي، كنت أنا وأخي الراعين لأمي وأبي وولدي الصغير ومن هنا بدأت حكايتي ورحلة معاناتي الأصعب.
قبل الحرب، كان والد ابني متعاوناً وداعماً، كنا نشترك الحضانة بسلاسة، وحين كنت في المعتقل كان ولدي في حي آخر في أمدرمان مع والده، لذلك لم أستطع اصطحابه معي عندما غادرت البلاد، عندها طمئنني والده بأنني يجب أن أغادر لأنني أصبحت معرضة للخطر، وبأنه سوف يجلب لي ولدي أينما كنت حين أرتب أوضاعي وأستقر. وبالفعل صدقته ومضيت في رحلة لجوئي، عانيت الكثير في أربع دول حدودية حتى تمكنت من الاستقرار في دولة كانت مريحة لي بشكل نسبي، بدأ تعامل والده يتغير مع مرور الأيام حين تأكد أنني غادرت البلاد، فقد بدأ يبعدني عن ولدي ويحرمني منه، بقطع الاتصالات تدريجيا، بعدما اطمئن لعدم قدرتي من التصرف حيال الوضع، أخبرني أنني لن أرى ولدي أبداً – أصبح ولدي مختطف من قبل والده –.
حاولت بكل الطرق أن أرجعه لحضني ولكني فشلت بسبب الحرب حيث لا توجد محاكم قضايا أحوال شخصية في أمدرمان فقد تم اعتبارها قضايا باردة وليست مهمة في حالة الحرب، باءت كل محاولاتي بالطرق الودية بالفشل ولم يهتم والده بحالته النفسية، ولم يتمكن من استيعاب خطورة حرمان طفل من أمه في هذه المرحلة العمرية الحرجة.
أنا واحدة من الأمهات ضحايا الحرب، فقدتُ ولدي ولا أستطيع إرجاعه لحضني، في حين أنني في وضع آمن وفي دولة آمنة وأستطيع توفير كل سبل الحياة الكريمة له، اختار والده أن يبقيه معه تحت القصف، وتحول كل يوم يمر عليّ إلى قلق وتفكير مستمر على ولدي ومستقبله، أخاف في كل لحظة أمسك بها هاتفي من أن يصلني خبر سيء عنه، ترعبني أخبار القصف المستمر في أمدرمان، لم أعد أستطيع النوم، لو عاد بي الزمن لن أغادر خطوة بدونه، لن أغادر إلا وهو في يدي وفي حضني. مشاعري الآن متناقضة، أصبحت شديدة الحساسية ودموعي قريبة، وفي نفس الوقت قوية جداً.
أشعر بالحنق الشديد أن الحكومة قررت أن قضية ولدي باردة بسبب الحرب، وأن تهديد الاستخبارات العسكرية لي كان الدافع الأساسي في خروجي بدونه، أشعر بالحنق الشديد على والده الذي استغل عجزي ووضع الحرب ليختطفه مني.
حسبنا الله ونعم الوكيل، وعند الله تجتمع الخصوم.
أبريل ٢٠٢٥
