تركت الأشياء ناقصة ورائي ولم اكتمل بعدها
ن. ر، شابة موظفة
أنا ن ر عمري ٢٦ سنة (لم احسب من العمر ما أخذه الدعم السريع) كنت مقتنعة بحياتي وواقعي وأسعى دائماً للحصول على الأفضل في كل جوانب حياتي وأعمل في وظيفة أجدها ممتعة وقد كان العمل والاستقلال القيم الأعلى لديّ. كنت متناغمة مع كل الأحداث في حياتي بحُلوها ومرّها، حتى جاءت الحرب أو ما يدعون أنها كذلك.
هي ليست حربًا بالنسبة لي، بل أسوأ بكثير. هي سلب لكل ما يعني أن نعيش ولكل ما يمنحنا السعادة. هي مؤامرة ضد كل سوداني أو من له علاقة بالسودان، ضد كل ناجح، ضد كل من يسعى للنجاح، ضد كل من يبحث عن الأمن والأمان، ضد كل من له طموح، ضد الأحلام والأمنيات، ضد المستقبل الذي نبحث عنه، ضد الحياة الكريمة التي نستحقها. ضد كل مريض، ضد كل أب وأم، ضد الأبناء والبنات، ضد الأزواج والزوجات، ضد كبار السن والراحة الذين يبحثون عنها في شيخوختهم، ضد منازلنا والذكريات المنقوشة على جدرانها، ضد أشكالنا وسحناتنا المختلفة. هي حقًا مؤامرة، وليست حرباً.
في خامس أيام عيد الفطر، غادرنا منزل خالي متجهين إلى قريتنا بولاية الجزيرة، حيث كانت أمي هناك. لم أظن أن الفترة ستطول هكذا، وإلا كنت استنشقت مزيداً من الهواء، علّ رائحة الحي والمنزل تبقى داخلي. كنت أخذت المزيد من الصور علّها تملأ ناظري كلما شعرت بالحنين، كنت اخذت تراباً معي، كنت مكثتُ أكثر في بيتنا الذي لم يمضِ على وجودنا فيه أكثر من أربعة أشهر، كنت صنعت المزيد من ذكرياته، كنت نظرت إليه، كنت ودعته، كنت احتضنت أركانه، كنت أخذت لعبتي الوحيدة المتبقية من طفولتي، لكنني لم أكن أعرف، وتركت الأشياء ناقصة ورائي ولم اكتمل بعدها.
في قريتنا بولاية الجزيرة، لدينا بيت خالٍ من الأثاث، فتحناه وأقمنا فيه بعد أن أعطونا الجيران أسِّرّة، نصبح على أمل العودة وننام عليه، مرت الأيام وكانت الصدمة والألم حين سمعنا أن منزلنا في الخرطوم قد نُهب كل ما فيه، ولكن قلنا “البركة في سلامة الروح”. طوال هذه الفترة لم نتعرض لانتهاكات من المليشيا بفضل الله حتى بعد دخولها للجزيرة.
في تلك الفترة، مررت بحالة اكتئاب ولم يمر عليَّ يوم دون التفكير في الانتحار، تحولت من شخصية متفائلة تحب الضحك والحياة ولا ترى فيها ما هو صعب أو مستحيل إلى شخصية تملّكها الضياع والعجز، خسرت الكثير من وزني وتغيّر شكلي، وصلت للحظة كنت ألوم فيها ربَّنا “لماذا يحصل كل هذا معي وأنا لم افعل ما يغضبك؟ لماذا تعاقبني وترميني من السماء إلى سابع أرض؟”. ظللت في هذه الحال مدة تزيد عن سبعة أشهر، لكنني لم استسلم واصلت عملي في بعض البرامج التدريبية وكنت أفكر وأعمل بما هو متاح لي حتى أغير واقعي، وبالفعل تحسّنت وشعرت أنني بدأت أتعافى.
مع مرور الوقت وتصاعد الأحداث، تعرضنا لأسوأ الانتهاكات من الضرب والألفاظ البذيئة من مليشيا الدعم السريع، تعرضت كل أسرة ومنزل للانتهاكات من ضرب وسرقة وصلت حتى للأكل والمواد التموينية، وكانوا يهددون الأسر باختطاف الأطفال والطفلات، هددوا بالاغتصاب واغتصبوا. قتلوا جارنا ومدير المدرسة التي تعمل فيها قريبتي. تم حرق السوق والمحلات التجارية ودكاكين الحي، انعدم الأكل حتى أصبحنا نأكل “الردّة” (قشرة القمح) و”الذرة الحمراء” المزروعة في البلدات. سرقوا ألواح الطاقة الشمسية من محطة المياه، أصبحنا نحضر الماء من النهر، لكن عندما يصادف جنود الدعم السريع المواطنين يحضرون الماء من النهر، يسكبونها على الأرض، يضربونهم بالسياط ويقولون “تاخدوا الموية بأذننا” ولو صادفوا امرأة يضربونها بالسياط ويقولون “هدا بتقدري تجيبي الموية”.
في قرية مجاورة، قتلوا كل من فيها تقريباً، تركت الجثث ملقاة في الشوارع ولم يجد الموتى من يدفنهم فمن تبقى حاول النجاة بنفسه وأسرته، كان من بين من قٌتل فيها قريبي الذي لم يتجاوز عمره ١٦ سنة بأكثر من ٢٠ رصاصة في كامل جسده حتى أصبح من غير الممكن التعرف على شكله، نحسبه شهيدا في الفردوس.
نزح ما يقارب ٩٠% من سكان قريتنا، أما القرى المجاورة لم يبقَ فيها سوى المنازل، نزح المواطنين لا يحملون إلا ما عليهم من ملابس.
لم يعد لدينا خيار سوى المغادرة مرة أخرى. نفس الألم الأول غير أن هذه المرة يبدو لي واضحاً أننا لن نعود قريباً، وجهتنا مجهولة ومستقبلنا مجهول ومع ذلك كنت أقول “أكيد لخير”. قبل أن نتحرك وطوال الطريق كنت أدعي الله أن ننجو. عشنا الأسوأ على طريق يمر بغابة، خرج من الغابة ما يقارب أكثر من ٥٠ مسلحا من الدعم السريع ونحن ما يقارب ٤٠ عربة، دخلت في نوبة من الخوف لم أمر بها في حياتي من قبل، لا أعلم إن كنت سأموت، سأُغتصب أم سأُختطف وليس هناك ما يحميني. أوقفونا، أنزلوا الرجال من العربات، نهبوا كل ما لدينا، أنا وأسرتي في عربة “دفّار” صعدوا إلينا وأمرونا بتسليم ما لدينا من ذهب وتلفونات، حينها رددت على أحدهم بأني لا أملك شيئاً، وجه السلاح عليّ ولقّمه وقال “ح اقتلك أول وحدة”.
كل مرة تأتي مجموعة منهم يطالبون كل ما لدينا، يفتشون الحقائب، سرقوا من الموكب عربتان بكل ما فيها، ضربوا الرجال والشباب وفتشوا البنات والنساء (تفتيش خاص)، طلب أحدهم من النساء نزع حمالات الصدر، بقينا ساعتين على هذا الحال، بعد أن نهبوا كل شيء أمرونا أن نتحرك. بعد ٥٠ مترا أوقفتنا مجموعة أخرى وقادونا إلى قرية خالية، قالوا لنا “البنات الصغار ينزلوا والعوين الكبار يفضلوا في العربات”، في تلك اللحظة أنهرت تماما وشعرت بهبوط في الدم حتى أنني لم أقوَّ على الوقوف، وانهارت أمي وكل الأمهات خوفاً على بناتهن.
نزلنا ننتظر قدرنا، أدخلوا بعض البنات في غرف فارغة، تحرشوا بهن، أخذوا ملابسهن الداخلية (بعضهن يخطن فيها الذهب والقروش)، أطلقوا رصاصا في الهواء لإرعابنا، اعتدوا على الرجال بالضرب، هددونا بالقتل وترك جثثنا للكلاب تأكلها، بقينا على هذا الحال ساعة حتى أتت عربة أخرى من الدعم السريع فقرروا إطلاق سراحنا.
تحركنا وللمرة الثالثة أوقفتنا مجموعة من الدعم السريع، كرروا ما فعلته المجموعتين السابقة من انتهاكات بالضرب والتحرش والإساءات، لم يدم الأمر طويلاً هذه المرة لأن جميع ما نملك تم نهبه، قالوا لنا “ح نلحقهم وما تفرحوا بطلعتكم دي “.
كانت هذه أسوأ ساعات عشتها في حياتي، تعرضت فيها لكل أنواع الإهانات من عنف نفسي ولفظي وجسدي، لازمنَّي الانهيار والإحساس بهبوط ضغط الدم حتى وصولنا، ساعدتني أمي في تخفيفه، بعد وصلولنا ولمدة ثلاثة أيام لم أستطع النوم وكنت أرى وجوههم والأحداث التي مررت به، كنت أقضي الليل مع أمي في نفس السرير، فقدت الأمان بداخلي ولم استعده حتى بعد وصولي لمنطقة آمنة.
بعد فترة من وصولنا، تحسّنت حالتي وقمت بعمل مشروع صغير، لكنه لم ينجح فأوقفته ولم أحاول مجددا، كانت كل محاولاتي تنصب في أن أتعافى وأن أكون في أفضل حالاتي.
ما مررت به هو مؤامرة ضد الجسد والحياء وكرامة المرأة، نسأل الله اللطف وصلاح الحال.
أبريل ٢٠٢٥
